حيدر حب الله
302
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
وقد يقال هنا بأنّ نفس التأليف ليس حراماً في ذاته ، وإنّما الحرمة في نشره ؛ لكون الحرمة الحقيقيّة كامنةً في تضليل الناس وصدّهم عن سبيل الله ، والتأليف ليس كذلك ، وكذا الحال في تأسيس مراكز الأبحاث أو غيرها ، ما لم يُقرن بالنشر والتوزيع والإعلام ؛ لعدم صدق التضليل عليه حينئذٍ عادةً ، وهو الصحيح . والآية القرآنية الأولى التي استعرضناها سابقاً تفيد هنا أنّ كلّ سعي لإضلال الناس عن الدين بغير حجّة شرعيّة أو معذورية خاصّة يكون حراماً منجّزاً ، فلو فعل ذلك معتقداً أنّه الإسلام أو لا لغرض التضليل لا يكون حراماً . ولو ألّف ضلالًا وأنتج برامج ضالّة أمكن الاحتفاظ بها شرط عدم نشرها بما يفضي إلى الإضلال ، كما صار واضحاً . كما أنه لو أنتج ضلالًا بغية نقده ، على طريقة « إن قلت قلت » لم يكن محرّماً أيضاً ؛ لأنه لا يقع في صراط قصد التضليل ، وبهذا تتضح البوصلة في مختلف أمثلة وحالات هذه القضيّة فلا نطيل . 2 - توزيع الضلال ونشره المقصود بالتوزيع هنا االقيام بإيصال الضلال إلى الغير - مع العلم بكونه ضلالًا - بأيّ طريقة من الطرق بغية تضليله ، أو مع العلم بحصول الضلال له ، أو قيام الحجّة المعتبرة على ذلك ، وقد حكم الفقهاء هنا بحرمة استنساخ كتب الضلال « 1 » . ومن الواضح - بمقتضى ما تقدّم من دلالة الآيات الكريمة المتقدّمة وغيرها - أنّ ذلك حرامٌ غير جائز ، ولا يقتصر على النسخ ، بل يشمل اليوم طباعة الكتب مع توزيعها والدعاية لها ، وبث البرامج الإعلامية ونشر الأفكار الضالّة في الصحف
--> ( 1 ) انظر : مفتاح الكرامة 4 : 62 .